www.antoinefleyfel.com

      Colloques et conférences

محورية المسكونيّة في بناء لاهوت عربي حديث

 

 بقلم الدكتور أنطوان فليفل

 

محاضرة القيت في مؤتمر "آيانابا 23 / المسكونيّة... وشهادة الكنسية في العالم العربي" ؛ نظّمه "الإتحاد العالمي المسيحي للطلبة / مكتب الشرق الأوسط" بعين عار –  لبنان، من 15 إلى 20 أيلول 2008. 

 

مقدّمة

 

تهدف هذه المحاضرة إلى التفكّر حول بعض الأسس المحورية لتحديث اللاهوت العربي الذي يشهد تجديداً من خلال بعض الكتابات المعاصرة ومن خلال عمل بعض الجماعات المسيحيّة، بالأخص المسكونيّة منها. سأحاول تحديد مفهوم هذا اللاهوت عبر قراءة لاهوتيّة تدرجه في إطار اللاهوت السياقي (Théologie Contextuelle) وهو تيّار بزغ في بداية السبعينيّات من القرن العشرين، وهو اللآن منتشر بالأخص في بلاد العالم الثالث حيث الأقطار الغير التقليدية لاهوتيّاً[1]. لللاهوت العربي مقوّمات عدّة جوهريّة لا يمكن ما دونها قيام هذا اللاهوت: من أهمّها الحوار الإسلامي المسيحي، العلاقة السليمة والمتّزنة مع التقاليد الكنسيّة واللاهوتيّات الغربيّة، قضايا الشرق العربي وعلى رأسهم القضيّة الفلسطينيّة، ومسألة المسكونيّة التي سأوليها القسم الأكبر من تفكّري.

 

اللاهوت السياقي    

 

أسس العمل الاهوتي التقليديّة تتكلّم إجمالاً عن مصدر أو مصدرين لكل بناء لاهوتي. فاللاهوتيّات التقليديّة الكاثولكية أو الأرثوذكسيّة تتكلّم عن مصدرين هما الكتاب المقّدّس والتقليد. اختلفت طريقة فهم هذه اللاهوتيّات للعلاقة الكامنة بين هذين المصدرين ولكن الثابت بقي ثنائيّة المصدر. أمّا لاهوت الإصلاح فرفض بشكل عام اعتبار التقليد الكنسي كمرجع وتعلّق بالمبدأ اللوثري القائل بفقطيّة الكتاب المقدّس(Sola Scriptura) [2]. تقترن عادة طريقة استعمال المصدر أو المصدرين الاهوتيّين بعمل السلطات الكنسيّة التي تعتبر نفسها مخوّلة تفسير الكتاب المقدّس والتقليد، والعلاقة بينهما.

 

لاهوت السياق هو لاهوت حديث يعتبر أنّه لا يمكن بعد الآن الإعتماد في العمل الاهوتي على المصدران الآنف ذكرهما فقط. فعلى السياق أن يكون مصدر أساسي لللاهوت بجانب الكتاب المقدّس والتقليد. وما السياق إلّا الإطار الذي يُحاول في خضمّه فهم كلمة الله وفهم العالم على ضوئها، العيش والتصرّف والتفكير على أساسها والشهادة لها. ما هذا السياق الّا الإطار التاريخي والجغرافي والوجودي المعاش، بكل نواحيه الإجتماعيّة والسياسيّة والإقتصاديّة والثقافيّة... تعدّدت آراء اللاهوتيين السياقيّين حول تراتبيّة المصادر اللاهوتيّة الثلاثة: فالبعض من قال بأولوية السياق والبعض الآخر من قال بأولويّة الكتاب المقدّس. اختلفت المفاهيم وتعددت، ولكن الثابت هو طريقة العمل اللاهوتي الجديدة التي تعتبر السياق كمصدر أساسي للعمل اللاهوتي.

 

نماذج لاهوتيّة سياقيّة

 

أهميّة اللاهوت السياقي في تعدّديته. التيّارات اللاهوتية السياقيّة المعاصرة كثيرة، سأستعرض بعض نماذجها لمزيد من الفهم والوضوح.

 

أكثرها شهرة هو لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينيّة. ولد هذا اللاهوت بحسب تعبير مؤتمر مدلّين (Medellín 1968)  في سياق "بؤس عام ]أضنك جملة الشعوب في أمريكا اللاتينيّة[، يعبّر عنه كظلم صارخ نحو السماوات". فضرّاء هذه الشعوب وفقرها واللاعدالة الإجتماعيّة أدّت إلى إعادة تفكير الإيمان المسيحي والكتاب المقدّس والتعاليم الكنسيّة بشكل مختلف عمّا قبل، لا يدنو من اللاهوت إلّا من خلال السياق الإجتماعي والسياسي والإقتصادي. فبدل فهم الواقع على ضوء الكتاب المقدّس والتقليد، فُهم الكتاب المقدّس والتقليد انطلاقاً من الواقع وبعيداً عن الغيبيّات اللاهوتية التقليدية والروحيّة المنزّهة عن واقع التاريخ المباشر. أدّى ذلك إلى طريقة جديدة في صنع اللاهوت عبّر عنه بشكل خاص بكتابات غوستافو غوتييريز (Gustavo Gutiérrez)، ليوناردو بوف (Leonardo Boff)، جون سوبرينو  (Jon Sobrino)والكثير غيرهم...   

 

اللاهوت الأسود (Black Theology) وهو لاهوت معاصر للاهوت التحرير في أمريكا الاتينيّة. ولد هذا اللاهوت في سياق صراع سود الولايات المتحدة من أجل تحريرهم من التمييز العنصري. جذور هذا اللاهوت التاريخيّة تمتدّ إلى تجارة الرق في القرن السادس عشر، ويشتفّ تفكّره ماهيّته من عمل وفكر شخصين محوريّين له هما مارتن لوثر كينغ (Martin Luther King) ومالكولم إكس (Malcolm X) . جايمس كون (James Cone)  هو المنظّر الأساسي لهذا اللاهوت الذي يفهم الإيمان المسيحي على ضوء معانات أحفاد العبيد الذين لم يتحرروا بعد من استعباد البيض لهم. فعلى ضوء السياق المعاش، يؤمن اللاهوت الأسود بالمسيح كمسيح أسود أي مسيح يضطهد كأي أسود مستعبد، والله كإله ذات بشرة سوداء أي إله موجود في خندق السود الذين يعانون من التمييز العنصري واللاعدالة الإجتماعيّة... إله معهم في معركة تحريريهم من العبودية. الله ليس محايداً بالنسبة لللاهوت الأسود، ومن غير الصواب القول أنّ الله مع المضطهِد والمضطهَد. فهو حتماً مع المظلوم وضدّ المستبد. واقع الجور هو منطلق أي فهم لحقيقة الله والكتاب المقدّس ورسالة الكنيسة. لهذا اللاهوت امتدادات في عدّة أقطار، منها أفريقيا الجنوبيّة.

 

لاهوت الداليت (Dalit Theology). وهو لاهوت ينبع من واقع الطبقة (Caste) الكبيرة عدديّاً (ما يقارب المئتي مليون) المسمّات داليت في الهند، وهي تعيش نوعاً من الذميّة والتحتيّة وعدم الإعتبار الإجتماعي والإجحاف. يعاني الداليت الإضطهاد على اساس هويّتهم الإجتماعية والثقافية. فهم يهانون ويقتلون ويشهّر بهم علانيّة... ولا يغيّر انتماء البعض منهم إلى المسيحيّة بشيء في حالتهم، فالداليتية ليست بصبغة دينيّة ولكنّها واقع إجتماعيّ (معتبر دنسا) يصطبغ به المرء حتى مماته. يصبو لاهوت الداليت الناشئ في ثمانينيات القرن العشرين إلى التحرر من هذا الواقع. يقرأ اللاهوتيّون الداليت سفر "الخروج"على ضوء خبرة العبيوديّة التي يعيشون والتحرر المرجو، ويفهمون شخص المسيح انطلاقاً من خبرة الإضطهاد ويعتبرونه هو أيضاً داليتيّاً. فلا التقاليد الكنسيّة التقليدية، ولا الكتاب المقدّس هما منطلق هذا اللاهوت، بل خبرة الله المعاشة بين شعبه كإله مضطهَد ومتألّم.

 

اللاهوت النسائي (Feminist Theology). وهو لاهوت نابع من صراع الكثير من النساء، في مجتمعات متعددة، للتحرر من الذهنيّة البطريركيّة أي من سطوة الرجل على الإمرأة في ميادين كافّة، أدينيّة كانت أم إجتماعيّة أو عائليّة أو إقتصاديّة أو سياسيّة. يقرؤ لاهوتيّو هذا التيّار الكتاب المقدّس والإيمان المسيحي باحثين عن دور المرأة وفاهمين ماهيّة الرسالة المسيحيّة انطلاقاً من تحريرها من خلال إشراكها في السلطة الكنسية وابراز وجه الله الأنثوي والإقرار بالعدالة بينها وبين الرجل. وضع المرأة الحالي هو منطلق أي تفكّر لللاهوت النسائي.

 

يوجد الكثير من التيّارات اللاهوتيّة السياقية الأخرى في العالم، ولكنني سأكتفي بهذه الأمثلة المقتضبة الكافية لإعطائنا فكرة وجيزة عن منطق اللاهوت السياقي عامة وعن الفرق بينه وبين اللاهوتيّات التقليدية التي نادراً ما تعتبر السياق مصدراً في بنائها. فهي غالبا ما تنطلق من التقليد الكنسي أو من قرائتها التقليديّة والموروثة للكتاب المقدّس، وتتكلّم على هذا الأساس مع السياق من دون أن تكون كلمتها إجابة على هواجس مؤمني السياق  وإشكاليّتهم. وتجدر الإشارة أيضا إلى شأن آخر، الا وهو اختلاف المنهج. فمنهج اللاهوت السياقي يختلف عن منهج اللاهوت التقليدي في علاقته مع العلوم الأخرى. العلم الذي تحاور معه اللاهوت تقليديّا هو الفلسفة: المجامع المسكونيّة والكثير من الأنظمة اللاهوتيّة هي خير دليل على ذلك. أمّا اللاهوت السياقي، فهو يحاور أيضاً العلوم الإنسانيّة كعلم الإجتماع، علم النفس أو علم الإقتصاد... ولا يتردد في استعمال منهج هذا العلم أو ذاك من أجل الإتيان بالتفكّر الملائم للواقع. فهكذا استعمل لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية منهجيّة التحليل الماركسي للمجتمع من دون أن يتبنّى الحلول أو الأيديولوجيا الماركسية.

 

أمّا تعدّديّة لاهوت السياق، فهي تحتّم تعددية في المناهج. فليس هناك طريقة واحدة لصنع اللاهوت السياقي بل هناك لاهوتيات سياقيّة[3]. والمنهج اللاهوتي السياقي الأنسب هو المنهج الأكثر ملاءمة في منطقه مع السياق ومتطلّباته. الثابت في اللاهوت السياقي هو حداثة منهجيّته التي تتمايز عن المنهجيّات التقليدية، وعلاقته بالسياق كمصدر أساسي للعمل اللاهوتي. أمّا نماذج اللاهوت السياقي، فهي متنوّهة مع تنوّع السياق وتبدّله.  

 

إذاً، بناء العمارة اللاهوتيّة السياقيّة تمرّ بمنهجيّة جديدة لمنطق كتابة اللاهوت. وبالإمكان القول أن اللاهوت السياقي يفرض تحوّلا جذريّا في التفكّر اللاهوتي، يقيم مسافة نقديّة بينه وبين اللاهوت التقليدي، ينكبّ محلّلا السياق بكل أبعاده ويتجنّب الغيبيّات وكل منطق يبعده عن العالم. حتى ولو كان البعد الأخروي (الإسكاتولوجي) يجعل آفاق المؤمن تتخطّى هذا العالم نحو موطنه الحقيقي حيث ملك الله الأزلي، فإنّ المؤمن يبقى من هذا العالم، ويبقى هذا العالم مسؤوليّته. ومن هذا المنطلق، على علم اللاهوت، بما أنّه محوري لحياة الكنيسة، اعتبار العالم كأحد المنطلقات الأساسية لعمله. تتنافى هذه المنهجيّة اللاهوتيّة الجديدة مع لاهوتيّات تقليديّة شائعة في الشرق، عميقة في فكرها الروحي والصوفي والتقوي، ثابتة في طلبها الطاعة للرؤساء الروحيين، ومتنزّهة عن أمور الدنيا وكأنّ حياة المدينة ليست من مسؤوليّة المؤمن، ولكأن الخطيئة أفسدت كل الخليقة وانتصرت على النعمة الأولى وعلى بذور الكلمة الكامنة في الوجود، كل الوجود.

 

اللاهوت العربي الحديث كلاهوت سياقي

 

إنّ اللاهوت العربي الحديث هو حتماً لاهوت متجدّد، وإلا فما هو إلّا تكرار ببغائي لما هو قديم وغير ملائم لوجوديّة الإنسان التاريخيّة، التي تجعل من الكائن البشري مخلوقاً أبدا جديدا ومتجدّداً. ولكن التجدّد، على رغم كل المسافات النقديّة التي يضع بينه وبين القديم، لا يتضاضد مع ما سبقه من تفكّر لاهوتي. فلولا القديم لما كان الجديد، ولولا الأب لما كان الطفل، ولولا الطفل لما كان الرجل. ولكن التجديد يفرض نوعا من التخلّي الإيجابي عن القديم أي الإتيان بمنهجيّة عمل جديدة وبنظرة للأمور جديدة لا تخلو من الإستيحاء من الماضي والتعلّم منه أحياناً.

 

ماهيّة تجديد اللاهوت العربي تكمن في فهمه كلاهوت سياقي. فمن دون الإنفتاح على السياق ومن دون اعتباره مصدراً أوّليّا لعلم اللاهوت، يبقى اللاهوت العربي لاهوتا غيبيّا غير ملائم لإشكاليّات الوجود المسيحي الحر والفاعل في الشرق، وشاهداً على اضمحلال الشهادة المسيحيّة الإيمانيّة والحضاريّة، وهو مسؤول جزئيّا عن هذا الإضمحلال بعدم تجديد بنيته. لربّما كنت أول من يتكلّم بهذا الوضوح عن اللاهوت العربي الحديث كلاهوت سياقي يندرج ضمن إطار تيّارات لاهوتية سياقيّة . ولكن العمل اللاهوتي العربي السياقي، وإن لم يكنّ َ بهذه الكنية، له سوابق عند الكثير من اللاهوتيين العرب وله في الوقت الحاضر بعض المفكّرين الجديرين بالإحترام. أذكر على سبيل المثال أستاذي السعيد الذكر جان كوربون ومحاولته السياقيّة الجريئة : "كنيسة العرب". لا يتردد كوربون باستعمال نهج لاهوتي جديد ونقدي لإبراز صوابيّة تفكّره. وأمّا السعيد الذكر ميشال حايك، فقد حاول من خلال فكره العربي السياقي إيجاد تبرير لاهوتي مسيحي لوجود الإسلام – شريكنا الأساسي في السياق، وعدم اعتباره كخطئ تاريخي أو كدين الخطأ. أنعم الروح على الكنائس العربيّة ببعض المفكرين المستنيرين، يمكن اعتبار أفكارهم كمنطلقات وثوابت لللاهوت العربي الحديث، أذكر منهم على سبيل المثال ولا الحصر يواكيم مبارك، جورج خضر، غريغوار حدّاد، بولس الخوري، عادل تيودور الخوري، جيروم شاهين... وأحدث المفكّرين فكراً وعمراً مشير عون الذي يجسّد بكتاباته المعاصرة التوجّه اللاهوتي العربي السياقي، دارجاً إيًاه في منطق تعددي، مسكوني، فلسفي، حواري وسياسي. عون يعبّر بشكل واضح عن مشكلة اللاهوت العربي ويدرج الحلّ في إطار تجدّد : "يقين البحث أنّ العمارة اللاهوتيّة العربيّة قد أصابها الترهّل والتفسّخ والتراخي. فغدا من الواجب اللصيق بالشهادة المسيحيّة أن يتجنّد الكثير من أبناء المسيحيّة في الشرق العربي في سبيل تجديد البناء الفكري اللاهوتي"[4]. تجدر الإشارة إلى محاولة خلق لاهوت شرق أوسطي قامت بها مجموعة من الباحثين وهي معروفة بمؤتمرات حريصا الأربعة. صدر على أثر هذه المؤتمرات الأربعة أربعة كتب تحوي نصوص المحاضرات التي ألقيت في السنين التالية: 1987، 1988، 1992، 1994. ألقيت في هذه المؤتمرات محاضرات قيّمة يمكن الإعتماد على الكثير منها لإيجاد مقوّمات لبناء لاهوت عربي سياقي حديث، منها التحاليل التاريخيّة والجيوسياسيّة والمسكونيّة والحواريّة بين الأديان أو بين اللاهوت والفلسفة والعلوم الإنسانيّة. أسفي أنّ هذا التيّار لم يثمر بمعنى أنّ المؤتمرات توّقفت ونتائج أبحاثه لم تؤخذ بعين الإعتبار في النشاط اللاهوتي العربي وفي حياة الكنائس، وكأنّ تحديث اللاهوت العربي هو مسألة ترف فكري تقتصر على بعض الأنشطة التي تقوم لحين ثم تدخل في عالم النسيان أو تقرأ فقط من بعض الأخصّائيين. إنّ اللاهوت العربي الحديث ليس بعلم خاص ببعض المتمرّسين الجامعيّين بالرغم أنّه يحتاج إليهم ليدرك ملء قامته. إن لم يكن اللاهوت العربي الحديث شأناً يخص الجامعة والكنيسة والمجتمع والإنسان، كل إنسان، والسياق العربي فهو غير نافع. اللاهوت العربي الحديث ليس بترف فكري بل هو أداة فكريّة على المسيحيين المشرقيين استعمالها للمساهمة بإحداث تغيير جذري في المجتمعات العربية، هو ثورة ضد الجهل والتخلّف والتقوقع والطائفية والإنعزاليّة الفكريّة وكل ما يغرّب الإنسان عن ذاته (ce qui aliène l’homme). ومشكلة مؤتمرات حريصا الأخرى هي من إحدى مشكلات الشرق الأساسية التي تتلخّص بعدم المثابرة. فكم من المشاريع الإصلاحيّة والتجديدية تحضّر وتنطلق بطبل وزمر وتضحي بعد برهة من الزمن في غياهب النسيان. أمّا الملاحظة الأخيرة التي أوردها بشأن مؤتمرات حريصا، فهي في شأن اللغة : فالمقالات بأغلبها منشورت باللغات الأجنبية وكأنّ اللغة العربيّة ليست بلغة السياق. فمن غير الصواب الإتيان بعمل لاهوتي يخصّ السياق العربي بغير اللغة العربيّة. هذا لا ينفي التطرق والإستعانة وحتى إتقان اللغات الأجنبيّة أحسن الإتقان، لبل هذا واجب، ولكن كيف للمؤمن العربي وهو ليس حتما من سكّان الأشرفية أو جونيه التفكّر في فكر يخصّه وهو مكتوب في لغة ليست بلغة سياقه؟

 

بعض الأسس المحوريّة لبناء لاهوت عربي حديث

 

مقتضيات تحديث اللاهوت العربي كثيرة، فمنها الخارجيّة التي تتخطّى السياق العربي، ومنها الداخلية وهي تخصّ فرادة السياق. فكل سياق يحتوي عامّة على هذين البعدين : الخاص أو الفريد والعام أو الجامع. أهميّة البعد الجامع لكل لاهوت سياقي تكمن في المناهج والأفكار التي بالإمكان مشاركتها، كالتحرير والإنسانويّة والصراع من أجل العدالة الإجتماعيّة... وأهميّة البعد الخاص لكل لاهوت سياقي تكمن في الإستفادة من خبرة الآخر ومعرفته وإقامة حوار ثقافي يغني التعددية الإنسانية بتجلّياتها المختلفة... إنطلاقا من ذلك، على اللاهوت العربي الحديث أن يقوم بعدّة حوارات مختلفة على أكثر من صعيد.

 

المتطلّبات الخارجيّة

 

على اللاهوت العربي أن يباشر في حواره مع اللاهوت الغربي. فيمكن للكثير من الأنظمة اللاهوتية الغربيّة المعاصرة أن تكون مصدر وحي له. ولكن عليه الحذر من فخ النقل اللاهوتي الغير مناسب. فقد درجت العادة أن يحاول الكثير من اللاهوتيّين المحليين تطبيق أسس لاهوتيّة غربيّة على السياق العربي، وفاتهم أن شروط قيام هذا اللاهوت أو ذاك تختلف أشدّ الإختلاف من سياق إلى آخر. فاللاهوتي الفرنسي مثلاً يحاول حلّ إشكاليّة لاهوتيّة غربيّة مكوّنة من مفاهيم حضاريّة غريبة عن اشكاليّات الشرق. وعندما يحاول اللاهوتي العربي تطبيق هذه المفاهيم على سياقه، فإنّه يحاول معالجة إشكاليّة لاهوتيّة شرقيّة بمنطق لاهوتي غربي يعالج اشكاليّات غير موجودة في الشرق ولا يمة بصلة لإشكاليّات الشرق. ومن أكثر الأمثلة شيوعا محاولة تطبيق المفهوم اللاهوتي الكاثولكي المعروف بالإنثقاف (Inculturation). فعلى الرغم من كل إيجابيّاته، يبقى هذا المفهوم غربيّا ورومانيّا، غريبا في الكثير من نواحيه عن السياق الشرقي إلى حدّ إمكان اعتبار بعض مقوماته كشكل جديد من الليتنة.    

 

عليه طبعا أن يكمل حواره مع الفلسفة وأن يدرك بهذا الحوار أنّ في الفلسفة تيّارات ووجوه جديدة كثيرة، وأن تغيّرا كبيرا طرأ منذ الفلسفة التي كانت سائدة في زمن المجامع المسكونية. فالفلسفة الحديثة منذ ماكيافيل وسبينوزا وكانت ونيتشي وهيدغر وسارتر والكثير غيرهم يمكنها إغناء التفكّر اللاهوتي العربي أشدّ الإغناء. كما أنّه يجب التخلّي تماما عن الفكرة القائلة بأنّ الفلسفة هي خادمة لللاهوت لأنّ بذلك سوء فهم كبير لماهيّة الفلسفة ولرسالة اللاهوت. ويجب أيضاً التخلّي عن الخوف من الآخر الذي يمنع الحوار مع الأنظمة الفلسفية أكانت لاأدرية، ملحدة أو ناقدة للدين.

 

أمّا العلوم الإنسانيّة، فهي تساهم في إعطاء اللاهوت عناصر فهم أساسيّة للسياق. أذكر منها علم الإجتماع، علم الإنسان وعلم النفس، هذه العلوم التي تحاول فهم تصرّفات الإنسان مع ذاته وفي المجتمع، وبعلاقته مع التطورات التاريخيّة المختلفة التي تطاله والتي تجعل صيرورة وجوده أكثر تعقيدا ممّا قبل. العلوم الإقتصادية والسياسيّة والتاريخيّة تسهم في اكتساب نظرة أكثر واقعيّة لحياة الشعوب من ضمن أنظمة سياسية. ويمكن لهذه العلوم أن تكون مصدر نقد بنّاء لللاهوت : علم النفس للأرواحيّات (المس الشيطاني...)، علم الإنسان لمفهوم وحدة الأصل (monogénisme)، علم الإجتماع لللاهوت السياسي الأغسطيني، علم الإقتصاد لمفهوم العناية الإلهية، علم التاريخ لكل قراءة عقائديّة للكتاب المقدّس، علم السياسة للطائفيّة...     

 

ومن أهم الحوارت الخارجيّة التي على اللاهوت العربي الحديث القيام بها هو الحوار مع التيّارات اللاهوتيّة السياقيّة الأساسيّة لما يمكن أن تقدّمه من أفق للتفكير والعمل. يجب أن يدرك اللاهوتي العربي أنّه ليس وحيدا في مسعاه السياقي، لبل أنّه فتي وأنّه بالإمكان أخذ العبر من أكثر من سياق. الغوص في التيّارات اللاهوتية السياقيّة يمكّن اللاهوت العربي الحديث من فهم فرادته السياقية، التي من أهمّها أنّه سياق كنسي تقليدي ومؤسس، لبل سياق هو مهد الكنائس الأولى، سياق تعدّدي بامتياز. يمكن لهذا الإرث التاريخي الكبير ولهذه التعدّدية أن يكونا مصدر غنى كبير لللاهوت العربي، ولكنهما يشكّلان حتما عقبات كثيرة لأن الجديد الذي يقدّمه اللاهوت السياقي العربي الحديث هو جديد قد يتعارض مع قديم متجذّر في النفوس منذ قرون عدّة وغير قابل للتجديد. EATWOT[5] هي جمعيّة مسكونيّة للاهوتيي العالم الثالث الملتزمين صراع تحرير شعوبهم من خلال مفاهيم لاهوتيّة جديدة تنصبّ في إطار تعدّد ديني، عدل إجتماعي وسلام. ولدت هذه الجمعيّة في مؤتمر دار السلام سنة 1976 وهي تضم ممثلين عن أمريكا الجنوبيّة، آسيا وأفريقيا، ولها نشاطات مسكونيّة عدّة في هذه القارّات. من المؤسف أن لا يكون الشرق الأوسط جزءاً أساسياً من هذا الجهد اللاهوتي وألّا يتعاون لاهوتيوه مع لاهوتيي هذه الجمعيّة من أجل رؤية أوضح ومشاريع لاهوتيّة سياقيّة مسكونيّة أكثر فعاليّة. التعاون مع هذه الجمعيّة، أي مع العشرات من لاهوتيي السياق المختلفين، يجب أن يكون من أولويّة لللاهوت العربي الحديث.

 

المتطلّبات الداخليّة

 

أمّا متطلّبات التجديد الداخليّة فهي كثيرة، سأستعرض أهمّها سريعاً قبل التطرّق إلى مسألة المسكونيّة.

 

مسألة الحوار الإسلامي المسيحي هي مسألة أساسيّة للغاية بالنسبة لللاهوت العربي الحديث. يتكلّم جيروم شاهين عن هذا الحوار قائلاً أنّه "أحد الخيارات الأساسيّة أمام المسيحيين في العالم العربي لتنظيم مصيرهم"[6]. فسياق اللاهوت العربي هو سياق اسلامي، وأي محاولة لبناء هذا اللاهوت من دون أخذ الإسلام والحوار الإيجابي معه بعين الإعتبار يبتر تفكّر اللاهوت العربي. لن أطيل الكلام عن موضوع كتب الكثير عنه. أكتفي الآن بالقول أنّ على اللاهوت العربي المضي بالجهود القائمة في هذا المضمار والتي يقوم بها خاصّة "مجلس كنائس الشرق الأوسط" و"الفريق العربي للحوار الإسلامي - المسيحي". ولكنّني أورد ملاحظة على اللاهوت العربي الأخذ بها : من المفيد أن يقوم أخصّائيين بالبحث عن سبل الحوار والتلاقي وأنّ يدرّوا علينا بالأبحاث الأكادميّة الثمينة. ولكن الحوار إن بقي ونتائجه مسألة تخصّ نخبة من الأخصّائيّين، فهو غير نافع لللاهوت العربي الذي يهتم بكل مؤمن، لبل بكل إنسان. على التلاقي الإسلامي المسيحي أن يتم في المدن والقرى، في الشوارع والطرقات، وحتى في دور العبادة (ولما لا حول صلاة مشتركة، وهي حتماً ممكنة بعيداً عن كل محاولة توفيق (syncrétisme). على اللاهوت العربي أن يبحث عن السبل التي تمكّن المؤمنين العرب من الخروج من جهلهم الديني وتعطيهم معرفة مناسبة للآخر، تنبذ التعصّب ومنطق أحاديّة الحقيقة ونبذ الآخر. ذلك أنّ اللاهوت العربي الحديث ليس بعمارة فكريّة فقط، بل هو يصبو إلى أن يكون رؤية جديدة للأمور ونهج حياة يأخذ مكان نهج قديم مبني على الجهل والبغض والتقوقع والفكر الأحادي.

 

مسألة اللغة العربية هي في صلب تعبير اللاهوت العربي عن ذاته. فمن غير المقبول أن يكون التعبير الأول لللاهوت العربي من ضمن السياق مكتوب في لغات أجنبيّة ولكأنّ اللغة العربيّة غير جديرة بهذه المهمّة. نشأت مشكلة استعمال اللغة العربيّة عند بعض المسيحيين الذين خلطوا بينها وبين الإسلام، وبين الهوية العربيّة والهويّة الإسلاميّة. فباتوا يتجاهلون لغة الضاض ومسألة تحديثها، ويتنكّرون لهويّتهم العربية باسم قوميّات وهمية... وتغرّب مضاض للعقل. ولا عجب أن يعتبر بعض المسلمين أنّ المسيحية جسم غريب في الشرق العربي، فالكثير من المسيحيين أعطوهم ذريعة لهكذا تفكير. اللاهوت العربي الحديث يعتبر اللغة والحضارة العربيّة من صلبه. فاللاهوتيون العرب الأوائل، أي من عاشوا في السياق العربي وكتبوا في اللغة العربيّة هم من القرن الثامن. والكتابات اللاهوتية والكنسية العربيّة تمتدّ على كل قرون الألفيّة الثانية. وقد أسهم المسيحيّون بشكل محوري في النهضة العربيّة في القرن التاسع عشر، وكانوا الروّاد في تحديث اللغة... على المسيحيين الإضطلاع مجدّدا بهذه الدور الرائد من خلال عمل لاهوتي سياقي مكتوب ومفكر باللغة العربية (وبذور هكذا عمل موجودة)، وألّا يكتفوا فقط بتعريب الكتب اللاهوتيّة الغربيّة (الذي يبقى شأن ضروري)، وباللإكثار من الثرثرة المكتوبة من خلال كتب تواريخ كنسيّة تشبه أحياناّ الأساطير أو مقالات روحيّة تلامس أحيانا الخرافات. فالعمل المطلوب هو عمل لاهوتي سياقي عربي، يخصّ الجامعيّين، السلطات الكنسيّة التعليميّة وبالأخصّ عامة المؤمنين.

 

من أصعب مهام اللاهوت العربي الحديث تحديد علاقته مع التراثات الكنسيّة المختلفة. فأرض المشرق العربي وتاريخه يشهدان على ظروف تاريخيّة أدّت إلى جعل المسيحيّة العربيّة مسيحيّة متعدّدة للغاية... لكل منها تراثها العريق الذي تتمسّك به. موقف اللاهوت العربي الحديث من هذه التراثات هو موقف مبدئي وثابت : فهو يحترمها لبل يجلّها بقدر ما تحتوي من خير للأنسان، لأصالته ولخلاصه الإجتماعي والسياسي والروحي. وهو يعتبر التراث مصدر وحي لا يمكن الإستغناء عنه. ولكن على اللاهوت العربي الحديث تحاشي الببّغائيّة، أي عليه ألّا يكون لاهوت تكرار التقليد. فالتقليد كان بيوم من الأيام فكر جديد أضحى مع مرور الزمن مرجعاً. على اللاهوت العربي أن يكمل المسيرة بتجديده وأن يغني التراث بحداثته. فترداد التراث يعني من هذا المنطلق تجميده وجعله مستنقعاً، أمّا تجديده، فيعطيه استمرارية وحياة وامتدادا تاريخيّا نحو المستقبل. اللاهوت العربي لا يحترم فقط التراث، بل يساهم في صنع مستقبله. ولكنّ التوتّر سيحصل لا محال لأن كل جديد هو جديد بقدر ما يعتبر أن ما سبقه قديم، وكل جديد هو جديد بقدر ما يعتبر أنّه يقدّم نظرة جديدة ومفهوماً جديداً وطريقة عمل جديدة تختلف عمّا هو قديم أو تتعارض أحياناً معه وتفرض حتماً تخلّيات كثيرة عمّا هو قديم. ولكن بما أنّ غائيّة التراثات هي اظهار المسيح وخير الإنسان وليس التراث بحد ذاته، على اللاهوت العربي، وانطلاقا من هذا المبدأ عدم التردد عن التخلّي عن بعض القديم أو نقده في سبيل فكر يهدف إلى الشهادة الحقّة  لله ويروم أصالة الإنسان.

 

على اللاهوت العربي الحديث أن يتخلّى عن منهجيّة تقليديّة يستقيل فيها الاهوت عن التفكر بالشأن السياسي خاصّة وبالشأن الإجتماعي عامة. تندر جدّا الكتابات اللاهوتيّة التي تتناول هذه الشؤون لأسباب عدّة أهمّها : عدم قدرة الكثير من الجماعة المسيحيّة  تعاطي السياسة في ظل السيطرة الإسلاميّة والخوف من الغوص في هذا المضمار؛ الإعتقاد بأنّ شأن اللاهوت ليس بشأن دنيوي لبل هو روحي لا يخصّ هذا العالم؛ اعتبار الولاء السياسي كولاء للسلطة الكنسيّة فقط؛ اعتبار الإيمان المسيحي كحقيقة روحيّة بحت غير معنيّة بواقع العالم السياسي السيّء... إن كانت بعض الظروف التاريخيّة منعت اللاهوت من التطرّق لعالم السياسة وأخذه بعين الإعتبار، فمن الضروري تغيير هذا الواقع، خاصّة أنّ القراءة التاريخيّة لسيرة يسوع الناصري تضعنا أمام ميتته السياسيّة على الصليب. فحتّى ولو اعتبرنا أنّ دوافع السيّد كانت روحيّة، فإن عالم الروح لا يوجد في حقيقتنا التاريخيّة إلا من خلال لبل في عالم المادّة. مشكلة يسوع مع اليهود كانت دينيّة ولكن سياسية أيضا، ومشكلة الرومان مع يسوع كانت سياسيّة. ولم يتردّد الناصري بإعطاء رأيه بما يتعلّق بالسياسيين، فقد نعت هيرودس بالثعلب، وكانت لرسالته أبعاد سياسيّة عدّة. حقيقة وجود الإنسان في المجتمع هي حقيقة سياسيّة، وأي استقالة من مسؤوليّته السياسيّة في المجتمع هي استقالة من أهم المساهمات التي بإمكانه صنعها. اللاهوت العربي الحديث لا يمدّد استقالة اللاهوت التقليدي في الشرق من الشأن السياسي، وهو يستوحي من لاهوت التحرير في أمريكا الجنوبية ومن اللاهوت الأسود ومن العديد من التيّارات اللاهوتيّة التزامهم التفكّر في الشأن السياسي. ومع أنّه يعتمد التفكّر السياسي فهو يتجنّب الوقوع في فخ السياسيّة (politisme) ويتجنّب التحوّل إلى فريق أو حزب أو ايديولوجيّة. فاللاهوت العربي الحديث لا يمكنه أخذ موقف المتفرّج تجاه الظلم الحاصل في الشرق. هو حتما متحيّز في القضايا السياسية المحوريّة، حيث ظالما ومظلوما، قاتلا ومقتولا، مضطهِد ومضطهَد... هو كالله من فريق المظلوم والضعيف والمرذول والفقير... اللاهوت العربي يتبنّى حتماً قضايا الشرق العربي العادلة وعلى رأسهم القضيّة الفلسطينيّة. اللاهوت العربي يعارض أي نظام سياسي يسيء للإنسان أكان ديكتاتوريّا، مرتهنا للمصالح الإقليميّة أوالدولية أو حتّى ديموقراطيّا؛ اللاهوت العربي ينبذ الأنظمة الطائفيّة والتيوقراطيّة والتوتاليتاريّة والإحتلالات على كافة أنواعها واغتصاب حقوق الشعوب. وأخيرا، على مسألة تحرير المرأة أن تكون قضيّة أساسيّة لللاهوت العربي الحديث.

 

المسكونيّة

 

اللاهوت العربي الحديث، أو يكون لاهوتا مسكونيّا أو لا يكون. هو حتما مسكونيّ لأنّ إرادة السيد هي "أن يكونوا واحدا... حتى يؤمن العالم" (يو 17، 1). فالتوجه اللاهوتي الذي يعكف عن وضع المسكونيّة في محور تفكّره، هو لاهوت يعارض مشيئة الربّ، ويتناقض بذلك مع ماهيّته الذاتيّة. تعليم يسوع الناصري لا يقبل المساومة، فهو قال واضحا: "من ليس معي فهو عليّ، ومن لا يجمع فهو يفرّق" (لو 11، 23). من احد أكبر تحديات اللاهوت العربي الحديث هو المرور من لاهوت طائفي إلى لاهوت مسكوني، من لاهوتيّات خاصة لكنائس تعيش كجزر، إلى لاهوت جامع ومنفتح أشد الإنفتاح، من لاهوت الخوف من الآخر والحذر منه والعداء له، إلى لاهوت الإغتناء من اللآخر والثقة به ومعاملته على أساس الأخوّة، من لاهوت يبحث عمّا يفرّق إلى لاهوت يبحث عمّا يجمع. فلا سلام في الشرق الأوسط من دون المرور بسلام بين الأديان، ولا سلام بين الأديان إن لم تكن الأديان بسلام مع ذاتها، وهنا البعد السياسي للمسكونيّة.

 

لن أخوض في مسائل الإنقسامات التاريخيّة في الشرق، فخطوطها العريضة معروفة ومكتوبة في العديد من الكتب التي تعالج هذا الموضوع. لكنني سأطرح مشكلة المسكونيّة انطلاقا من التعدّدية الكنسية التاريخيّة السلبيّة في مشرقنا. فتنوّع التعبير اللاهوتي لم يكن فقط مصدر غنى لللاهوتيّات الشرقيّة، بل أضحى مصدر انقسام حاد وتضادّ وبغض وجرح للكنائس المحليّة إلى حد اندثار بعضها ونزاع بعضها الآخر...  والمشكلة الثانية هي مشكلة شهادة المسيحيّة المشرقية تجاه المسلمين أبناء سياقهم. فميشال الحايك تكلّم عن مسؤوليّة المسيحيين المشرقيّين أمام الله وأمام التاريخ، مسؤوليّة إيصال المسيح إلى المسلمين[7]. وعندما تكلّم جان كوربون عن كنيسة العرب، قال عنها أنها موجودة من أجل المسلمين العرب[8]. باعتقادي أنّ المسيحيّة المشرقيّة لا تؤدّي حاليّا هذه الشهادة، وأنّ مشكلة مشاكل غياب هذه الشهادة هو انقسام هذه المسيحيّة. فعندما ينظر المسلمون إلى المسيحيين في الشرق، لا يروا أمامهم كنيسة المسيح الواحدة المتنوّعة، بل كنائس مبعثرة... مؤلم هذا الواقع وهو موجود على أرض فيها الكثافة المسكونيّة الأكثر ارتفاعاً في العالم.

 

أريد الإشارة قبل المباشرة في التحليل إلى أنّ التوجه المسكوني ليس بطارئ على اللاهوت العربي، فكثير من اللاهوتيين العرب في القرون الوسطى، أي اللاهوتيين المشرقيين الذين كتبوا باللغة العربيّة، أكانوا نساطرة، ملكيّين أو يعاقبة أجمعوا بالقول أنّ ما يميّز المسيحييّن بعضهم عن بعض ليس المحتوى الإيماني، بل طريقة التعبير عنه. ويعتبر سمير خليل أنهم عبّروا بذلك عن محوريّة المسكونيّة كوحدة في الإيمان بالرغم عن تنوّع اللاهوتيّات وتمايزها[9]. وأوعز البعض منهم الإنقسام بين المسيحيين إلى "تورّط الهوى" أو "العصبيّة"، "غمرات الجهل" و"حب التسلّط"[10].

 

مسألة الشهادة المسيحيّة ما برحت همّ المسيحيّين منذ الزمن الرسولي وعلى امتداد الأجيال، في كل الأقطار وعلى لسان عدد كبير من اللاهوتيين والقدّيسين والمصلحين. وفي بدايات القرن العشرين، كانت هذه الشهادة حافذ تأسيس الحركة المسكونيّة وفي وقت لاحق "المجلس المسكوني للكنائس"[11]. ففي واحد من أوّل اللقاءات المسكونيّة في ايدينبورغ (Edinbourg) سنة 1910، طرحت إحدى الإشكاليّات المسكونيّة الأساسيّة : "كيف يمكننا التبشير بالإنجيل إنطلاقا من كنائس منفصلة؟". هذا اللقاء الأول ضمّ كنائس مختلفة من الإصلاح وقد انضمّت في خلال القرن العشرين الكثير من الكنائس المختلفة إلى الحركة المسكونية. يوحنّا بولس الثاني كتب بنفس الروح سنة 1995 في الرسالة العامة "ليكونوا واحدا" (Ut Unum Sint) أنّ انقسام المسيحيّين هو عائق خطير الإعلان الإنجيل[12]. لست بوارد إعطاء حلول للمسألة المسكونيّة وهي تمرّ حاليّاً بأزمة كبيرة على حدّ قول بنديكتوس السادس عشر (في يوم الشبيبة العالمي 2008 في استراليا). ولكننّي سأقوم بقراءتين لاهوتيّتين للمسألة، الأولى ترتكز على فكر هانس كونغ (Hans Küng) والثانيّة ترتكز على يوهان فولفغانغ فون جوته (Johan Wolfgang Von Goethe)  وهانس اورس فون بلتزار(Hans Urs Von Balthasar) .

 

أوجه كنيسة يسوع المسيح

 

العهد الجديد هو منطلق تعدّدية الكنائس. فالقراءة النقدية للعهد الجديد تضعنا أمام كنائس مختلفة، أحيانا متخاصمة. ومن الخطأ التكلّم بلاهوت للعهد الجديد، فهناك لاهوتيّات كثيرة ومتعددّة للعهد الجديد. وكل لاهوت يعبّر عن سياق معيّن لجماعة كنسيّة معيّنة عاشت فرادة إيمانها من ضمن معطيات تاريخيّة ودينيّة ووجودية وفلسفيّة وحضاريّة خاصّة بها... ولكنّ هذه الكنائس كلّها، على تنوّعها واختلافها، تؤلّف كنيسة المسيح. فلا أحد يستطيع الإدعاء أنّ كنسية جماعة إنجيل يوحنّا هي أفضل من كنيسة جماعة إنجيل مرقس، ومن غير الصواب القول أنّ جماعة كنسيّة منتمية لبولس هي أقل قدرا من جماعة كنسيّة منتمية لبطرس، وهلم جرّا... الهرطقة بمعناها الأول (من اليونانيّة αἵρεσις وتعني الإخيار وتفضيل عقيدة على أخرى) تكمن باختيار كتاب واحد من كتب العهد الجديد، ووضع الآخرين جانبا، أي الإقرار بالصوابيّة المطلقة لتنظيم ولاهوت كنسي واحد ونبذ الآخرين أو عدم إعطائهم اعتبارا كاملا.

 

من المستطاع التكلّم، من ضمن اشكاليّة مسكونيّة حاليّة، عن ثلاثة أوجه للكنيسة انطلاقا من العهد الجديد. فيمكن اعتبار الكنيسة الكاثولكيّة الرومانيّة ككنيسة تركّز في لاهوتها على شخص بطرس. ويمكن اعتبار الكنائس الأورثوذكسية ككنائس تركّز في لاهوتها على إنجيل يوحنّا. وأمّا كنائس الإصلاح، فيمكن اعتبار لاهوتها كلاهوت يركّز على بولس.

 

يتكلّم كونغ في كتابه عن لاهوت الألفيّة الثالثة عن هذه الأوجه الثلاث للكنيسة ويحاول إظهار الأساس اللاهوتي الأهم لكل كنيسة. فلاهوت الإصلاح يرتكز على الكتاب المقدّس الذي يعتبر مرجع كل عمل لاهوتي وكنسي. واللاهوت الأرثوذكسي يرتكز على التقليد الكنسي. أمّا اللاهوت الكاثوليكي فهو يرتكز على أهميّة السلطة الكنسيّة وعلى رأسها أسقف روما. ولكن ما هو أساس الإيمان المسيحي؟ هو ليس بالنسبة لكونغ السلطة الكنسية، هو ليس التقليد وهو ليس الكتاب المقدّس. فعلى البروتسطانتي ألّا يؤمن بالكتاب المقدّس، بل بالذي يشهد له الكتاب المقدّس؛ وعلى الأرثوذكسي أّلا يؤمن بالتقليد بل بالذي ينقله التقليد؛ وعلى المؤمن الكاثوليكي ألّا يؤمن بالسلطة الكنسية بل بالذي تعلنه السلطة الكنسية. المشهود له والمنقول والمعلن هو يسوع المسيح، أساس كل لاهوت ومعياره. عندما تدرك الكنائس أنّ ما يصنع لاهوتها ويكوّنها ليس الغاية بل الوسيلة، أنّ على المسيح أن يظهر وليس الكتاب المقدّس أو السلطة الكنسية أو التقليد، وأنّها أجزاء ووجوه من كنيسة المسيح المتعددة الأوجه منذ بدايتها كما يظهره العهد الجديد، حينئذ يصبح بالإمكان التكلّم فعلاً عن لاهوت مسكوني[13].

 

إنّ ما يقوله كونغ يفتح آفاق عديدة أمام الاهوت العربي الذي يصبو أن يكون لاهوت كل المسيحيين العرب على اختلاف عائلاتهم المسيحيّة. لذلك فهو محكوم بالمسكونيّة إن أراد الحياة، وهو لا يستطيع إعلان صوابيّة عائلة مسيحيّة ونبذ عائلة أخرى. اللاهوت العربي الحديث يتمسّك بمثل التعددية الكنسية الأولى الموجودة في كتب العهد الجديد ويعتبر التعددية الحالية للعائلات المسيحيّة كامتداد لها، كتجليات متنوّعة لكنيسة المسيح الواحدة... إن أرادت الكنائس الشرقيّة الحياة، فعليها أن تخرج من عوالمها الخاصة، القبطيّة والأشوريّة والسريانيّة والبيزنطيّة والمارونيّة والإنجيليّة... أن تحمل إرثها وأن تعيش رسالتها ككنيسة للعرب. اللاهوت العربي الحديث يتعارض مع كل لاهوت كنسي أحادي لا يأخذ بالتعدّدية الكنسيّة، ويبحث جاهدا عن أفضل السبل المؤاتية لتجسيد كل الأوجه الكنسية الممكنة في كنسية العرب. فاللاهوت العربي بحاجة للسلطة الكنسية وللتقليد وللكتاب المقدّس.

 

ولكن، إن كانت لكنيسة المسيح أوجه عدّة، فأين يمكننا إيجاد كنيسة العرب؟ فالمؤمن ينتمي كفرد إلى كنيسة محلّية واحدة وهو يعجز على الإنتماء إلى الكنائس كافّة. فكيف التوفيق بين الإنتماء الكنسي المحلّي والإنتماء لكنسية المسيح الواحد التي اسمها في الشرق كنيسة العرب؟  

 

الكلّية والجزء

 

مفهوم "الهيئة"[14] هو في جوهر لاهوت بلتزار. يستلزم فهمه التطرّق إلى جوته. يعرض هذا الأخير في دراسته عن النبات[15]، عن فهم أجزائها كمشرّح (anatomiste)، أي كلّ واحدة على حدة. فهو بحاجة إلى فهم الأجزاء من ضمن الكليّة. فبدل عزل الخلايا التي تكوّن الحياة، هو يصبو إلى اكتشاف مبدأ أعلى (supérieur) يمسّ الكلّ. يعتبر من هذا المنطلق أنّ كلّ جزء يكشف ويعبّر من خلال "هيئته" عن الكليّة التي تتخطّى مجموع  الأجزاء. يستعمل بلتزار مفهوم " الهيئة" ليعبّر عن تجلّي كليّة الكيان (l’être) من خلال الكائن الخاص (particulier l’étant). وحتّى ولو كانت الكلّية مؤلّفة من أجزاء، تبقى بذاتها أكبر من مجموعة أجزائها وتستدعي توتّرا وحركة بين أجزائها. وكل جزء بحاجة للأجزاء الأخرى ليكون ما هو عليه، وذلك من دون تحويلها أو ضمّها إليه، لأن بذلك تدمير للكليّة التي تفقد بهذا الفعل التوتر الكامن بها والذي هو أساسي لها. على الأجزاء أن تبقى أجزاء وأن تنمو سويّة بانسجام من ضمن الكليّة. يوضح كتاب بلتزار " Das Ganze im Fragment "[16] هذه المفاهيم إنطلاقا من عنوانه: الكليّة في الجزء. يبقى القول أنّ مقياس الأجزاء غير موجود بكل جزء على حدة، ولكن في مجموع الأجزاء، وهذا ما يشكّل وحدتها على رغم تنوّعها[17].

 

بإمكان اللاهوت العربي الحديث الإستفادة من هذا التفكّر اللاهوتي الفلسفي، وهو أكثر لاهوت معرّض للمسكونيّة، لأنّ عائلاته الكنسيّة تفوق عائلات السياق الغربي المؤلّف إجمالا من العائلات الكنسية الأربعة: الكاثولكيّة والأرثوذكسيّة والبروتسطانتيّة والأنكليكانيّة. فهناك في الشرق كنائس المجمعين كالكنيسة الأشوريّة وكنائس الثلاثة مجامع كالكنسية القبطيّة الأرثوذكسيّة والسريانيّة الأرثوذكسيّة والأرمنيّة الأرثوذكسيّة. فحتّى ولو كان الشرق أرض انقسام المسيحيّة بامتياز، فمن مسؤوليّة اللاهوت العربي المباشرة لجعله أرض المسكونيّة بامتياز.

 

إن كان اللاهوت العربي الحديث لاهوت سياقي يقترح أسلوبا جديدا في المنهجيّة اللاهوتيّة، فبإمكان هذه المنهجيّة فهم سرّ الكنيسة ووحدتها انطلاقا من مبدأ جديد يحاول تخطّي العثرات التي آلت إلى عدم التوصّل إلى شكل من أشكال الوحدة، على رغم كل الجهود المبذولة منذ عشرات السنين. هذه المنهجيّة الجديدة لا تروم تذويب الكنائس أو محو هويّتها، وهي تبغي الحفاظ على كل مقوّمات الكنائس بشكل يخدم الوحدة ويصبو إليها. فعلى اللاهوت المبني على التقليد الكنسي مثلاً أن يكون في خدمة الوحدة وأن يضع جانباً كل ما يشكّل عقبة للوحدة، فخير للإنسان من أن يهلك أحد أعضائه على أن يلقى جسده كلّه في جهنّم (مت 30، 9). اللاهوت العربي الحديث لا يعتبر أيّ تعبير كنسي كتعبير مطلق للكنسية. فكنيسة المسيح الحقيقيّة الواحدة لها تجلّيات عدة ومتنوّعة مع تنوّع السياق واللاهوت. كل عائلة كنسية هي تجلّ لكنيسة المسيح وهي تحوي ملئ الكنسية بقدر ما تكون شهادتها للمعلّم أصيلة. بولس وبطرس وبرنابا ويعقوب ويوحنّا كانوا بتمايزهم يؤلّفون الكنيسة الرسوليّة الأولى، هذه الكنيسة التي عاشت توترات كثيرة ومشاكل كثيرة ووجهات نظر مختلفة أحيانا أشد الإختلاف. وبقيت مع ذلك كنيسة المسيح الواحدة التي يكلّمنا عنها العهد الجديد. من المضاد للعقل القبول بهذه الكنسية الأولى المتنوعة جدّا، ورفض عيش هذه الوحدة في أوقاتنا الحاضرة، على مثال الجماعات المسيحيّة الأولى. فلا يمكن للكنيسة الكاثولكيّة أن تكون كنيسة المسيح الحقيقية لوحدها، ولا يمكن للكنائس الأرثوذكسية أن تكون الإمتداد الأصيل الوحيد للكنائس الأولى، ومن المستطاع اعتبار كنائس الإصلاح كالكنائس الوحيدة التي تحيا الروح الكنسية الكتابيّة. إن كانت الهرطقة الكتابيّة تكمن في اختيار كتاب ورذل آخر، فالهرطقة الكنسيّة تعني في هذا السياق اعتماد تجل واحد لكنيسة المسيح ونبذ الآخرين.

 

كل كنيسة محلّية أو بطريركية أو وطنيّة هي تجلّ لكنيسة المسيح. فبإمكان مؤمن أي كنسية إيجاد كامل كنيسة يسوع المسيح في كنيسته. كل كنيسة هي تعبير فريد بذاته عن كنيسة المسيح التي تتخطّى بكلّيتها كل الكنائس. فبقدر ما تجسّد كل كنيسة كنيسة المسيح، بقدر ما يستحيل عليها الإدّعاء أنها وحدها كنيسة المسيح. إن أراد مسيحيّو الشرق العربي الوحدة، فعليهم فهم هوية كنائسهم انطلاقا من هذا المبدأ. فالمطلوب هو الإتّحاد سويّة بالمسيح ولا الأتّحاد بالكنيسة الرومانيّة الكاثولكيّة والإنصياع لعصمة البابا. والمطلوب هو الإنضمام سويّة إلى جسد المسيح السري ولا الدخول إلى شراكات كنسيّة أرثوذكسيّة مبنيّة على تعابير إيمانيّة صاغها البشر. والمطلوب حتما هو الإصغاء سويّة إلى كلمة الله، كل بحسب ما أعطي له من فرادة للسماع والفهم والتعبير، ولا التخلّي عن غنى القراءات المختلفة للكتاب المقدس وفهمه فقط بحسب مبادئ الإصلاح. كنيسة المسيح موجودة في كل كنيسة محلّية ولكن السر المسيحاني يتخطّى مجموع الكنائس، فهي حتى لو جمعت كلها، لا تقدر أن تجسّد مطلقيّة كنيسة المسيح التي لا تجد ملؤها إلا في سر الإله المطلق واللامحدود. انطلاقا من هذا المبدأ، يمكن القول أن كل كنيسة تعيش توتّرا يوّلده تجسيدها لكنيسة المسيح من ناحية وعدم قدرتها أن تكون مطلقيّة كنيسة المسيح من ناحية أخرى. أمّا هذه الأخيرة، فهي موجودة في تنوّع الكنائس وحركتها، وتوترها، وعلاقاتها بعضها ببعض وعمل المسيح بها كالمصدر الجوهري لوحدتها. فدينامية كنسية المسيح مصدرها كل الكنائس على تعدديتها وبتوتّراتها وبفراداتها وبعلاقاتها بعضها ببعض انطلاقا من مصدر وحدتها الذي هو المسيح. وأي كنيسة تحاول التفرّد بكنائسيتها عبر إلغاء فرادة كنسية أخرى تسيء إلى كنيسة المسيح لأنها تقتل ديناميّتها عبر إلغاء التوتر والتعددية والحركة.  

 

مشكلة المسكونيّة الحاليّة تكمن في طريقة فهم الوحدة. فأسوأها موجودة عند بعض الكنائس التي تعتقد أنّ الوحدة تختصر على انضمام كنيسة إلى أخرى، تعتبر نفسها كنسية المسيح الحقيقيّة الوحيدة. فلينجّي الله اللاهوت العربي الحديث من هكذا ظلاميّة. أمّا المنهجيّة المتّبعة حاليّا في كنائس الشرق الأوسط والتي تقتصر على بعض الأخصّائيّين والمسؤولين الكنسيّين، هذه المنهجيّة التي لا تمسّ حياة الكنائس، والتي لا تخلو أحيانا من الفولكلور، فهي ترمي بشكل أساسي إلى إيجاد نقاط مشتركة في التعبير الإيماني، علّ هذا التعبير يألو إلى اتفاق على الشكل والمفاهيم واللاهوتيّات، اتّفاق قد يؤّدي إلى وحدة. لا شك أنّ لهذا الحوار إيجابيّات، لأنّ الحوار بحدّ ذاته خطوة إيجابيّة، ولأنّ ممثلي الكنائس يحاولون عند لقاءاتهم إيجاد حلول لمشاكل يواجهها أبناء الشرق... ولكنّني أعتقد أنّ وحدة الكنائس لن تتمّ طالما أنها مبنيّة على البحث عن وحدة في التعبير عن الإيمان أو في النظرة إليه، بالأخص أنّ أساس إيمان كل المسيحيين مشترك، وهو يسوع المسيح ابن الله المخلّص. نبحث عن وحدة شكل الإيمان وكأنه الإيمان بذاته. الوحدة ليست بالشكل لكنّها بالمضمون. لا أتخيّل الله يسألني يوم الدينونة عن اعتقادي بعصمة أسقف روما، عن ولائي للتقليد المقدس أو لحرفية الليتورجيّا، أو حتى عن أمانتي للكتاب المقدس كمصدر وحيد للإيمان واللاهوت والحياة المسيحيّة. الآب سيسأل حتما المؤمنين باسم مسيحه عن مدى حبّهم لله وعن مدى حبّهم لقريبهم. عند غروب هذا العالم، سنحاكم على الحب يقول يوحنّا الصليب. لا أدري ما قيمة المفاهيم اللاهوتيّة في عين الله، ولكنني متأكد أنه يدعوني لتجسيد الحب والسلام والمصالحة... والوحدة.

 

أقترح مسيرة مسكونيّة تسير باتجاه معاكس للإتّجاه الحالي. فبدل أن تذهب الكنائس كلّها نحو الوحدة، فلتنطلق من الوحدة الموجودة أساسا في المسيح. ألسنا كلّنا كمسيحيّين واحداً به؟ الوحدة بالمسيح واقع حقيقي لأنّ السيّد صلى للوحدة وصلاته حتما مستجابة من الآب. بدل أن نبحث عن سبل الوحدة عبر اتساق (uniformité) في التعبيرالإيماني وفي طريقة عيشه، فلنبحث عن بعضنا البعض انطلاقا من وحدتنا بالمسيح، فلنفرح باكتشافنا لإخوتنا في الإيمان، ولنغتن من تنوّع  طرق عيش سرّ الله، ولنغتبط من تعدديتنا التي مصدرها الله الواحد، المتعدد في ثالوثيّته. فبدل العكوف عن تناول جسد الرب عند من نعتبرهم خارج شركة الإيمان، فلتناول جسد الرب في كل الكنائس – عن استحقاق أكيد وباحترام، لكي نثبت أنّنا، على رغم تنوّعنا وتعدّدنا واختلافنا، واحد لأن المسيح مصدر وحدتنا. فلنصلّي أكثر مع بعضنا البعض ولنتخطّى فولكلور أسبوع الوحدة الذي يرغمنا على التفكير بالوحدة لأسبوع واحد في السنة فقط، في الوقت الذي لا يجب أن يهدأ بالنا طالما أنّ وحدة كنيستنا المفقودة تجرح شهادتنا.

 

خاتمة

 

التجدّد هو من سنّة الطبيعة، وكل ما لا يتجدد يموت. ألمسيحية المشرقيّة في نزاع أليم يتجلّى من خلال النزيف البشري الخطير واضمحلال شهادة المسيحيّين الثقافيّة والعلميّة والفكرية، وانكفائهم، وانقساماتهم السياسيّة اللامتناهية. شهادتهم الإيمانيّة متأثرة جدّا بهذا الواقع، وهي غير متمكّنة من ذاتها في ظل غياب وحدة الكنائس. انطلاقا من هذا الواقع، من الممكن للعقل المفكّر القول بموت المسيحيّة المشرقيّة. ولكن، أليس إله المسيحيين إله المستحيل الذي يصنع من الموت حياة ومن الظلمة نور؟ وأليس هذا الإله الإله نفسه الذي يحترم حريّة الإنسان إلى أبعد الحدود؟ أنا لا أتخيّل إله يريد انتهاء الوجود المسيحي في الشرق ولكنني أرى مسيحيين كثيرين يساهمون في سلوكهم إلى إنهاء وجودهم الحر والكريم. لا شكّ أنّ عوامل أخرى كثيرة تؤذي الوجود المسيحي، كالتدخّلات والإحتلالات الغربيّة، كالأصوليّات الإسلاميّة، كالممارسات الصهيونيّة، ناهيكم عن الأوضاع الأمنيّة والإقتصاديّة الغير مستتبّة. ولكن النهوض ممكن وهو ضروري، وهذه مسؤوليّة اللاهوت العربي الحديث الأساسيّة.

 

اللاهوت العربي الحديث ليس بعلم جامعي فقط، فهو يطمح أن يكون لاهوتاّ معمّما على الكنائس وأن يكون بالأخصّ لاهوتا شعبيّا[18]. اللاهوت العربي الحديث لا يؤمن بالتعدّدية المسيحيّة فقط، بل بالتعدّدية الدينيّة وبالتعدّدية الإنسانيّة. هو جزء من الفكر العربي الديني ومن الفكر العربي عامّة. آفاقه المسيحيّة تحتّم عليه البحث عن مستلزمات الوجود المسيحي الحر وشهادته. آفاقه العربيّة تجعله أداة لنهضة جديدة توجّهها إنسانويّ. آفاقه السياسية تجعله يصبو إلى علمنة إيجابيّة. وآفاقه الوجوديّة تقدّمه كنظرة جديدة للإيمان بالرب وبمسيحه، ذاك الذي هو هو، الأمس واليوم وإلى الأبد. فيا أيها السيّد القائم من بين الأموات، أرسل روحك فيتجدّد وجه الأرض.

 


[1]  أي الخارجة عن الغرب اللاهوتي، الأوروبي والأمريكي، وعن الشرق اللاهوتي السلافي واليوناني.   

[2]  يجب أخذ هذا المبدأ الإصلاحي بكثير من الحذر، لأنّه على رغم ارادة الاهوتيّات البروتسطانتيّة الإعتماد على مصدر واحد للعمل اللاهوتي، فقد تكوّنت عبر القرون تقاليد لاهوتيّة إصلاحيّة تعتبر مرجعية لفهم الكتاب المقدس وجوهر الإيمان. ومع أنّ هذه التقاليد لا توازي في اللاهوتيّات الإصلاحيّة ما يوازيه التقليد في اللاهوت الكاثوليكي التقليدي أو الأرثوذكسي، فهي غالبا ما تعتبر مرجعيّات أساسيّة في الفكر الديني الإصلاحي.

[3]  راجع، أنطوان فليفل، قراءة لبنانيّة في اللاهوت السياقي، مجلّة المشرق، العدد 82/1، 2008، ص. 51-71.

[4]  مشير باسيل عون، الفكرالعربي الديني المسيحي، دار الطليعة، بيروت، 2007، ص. 5.

www.eatwot.org [5]

[6]  جيروم شاهين، الحضور المسيحي في الشرق، مجلّة آفاق، ع. 39/2005، ص. 82.

[7]  Michel Hayek, Liturgie Maronite, Histoire et textes eucharistiques, Mame, Paris, 1964, p. xv-xvi.

[8]  Jean Corbon, L’Eglise des arabes, Cerf, Paris, 1977, p. 11.

[9]  راجع Samir Khalil, Le patrimoine  de langue arabe, in Pour une théologie contemporaine du Moyen-Orient, Actes du Ier Symposium Interdisciplinaire, Editions Saint Paul, Beyrouth-Jounieh, 1987, p. 245.

[10]  المرجع نفسه، ص. 246.

[11]  www.oikoumene.org

[12]  Ut Unum Sint, 99.

[13]  Hans Küng, Une théologie pour le 3e millénaire, Seuil, Paris, 1989, p. 89-94.

[14]  ترجمة تعبير "Gestalt" الألماني، المترجم "Figure" بالفرنسيّة.

[15]  J.W.V Goethe, La métamorphose des plantes. Paris, Triades, 1975.

[16]  H.U.V. Balthasar, De l'intégration; aspects d'une théologie de l'histoire. Paris, DDB, 1970

[17]  H.U.V. Balthasar, La gloire et la croix. Le domaine de la métaphysique : les fondations. T IV,I, Paris, Aubier, 1981, p. 21-23.

[18]  راجع، أنطوان فليفل، مقوّمات لاهوتيّة عربيّة شعبيّة، جريدة النهار، 04.05.2008.

 

Catégories

  • Page principale
  • Curriculum Vitae
  • Livres
  • Ecrits scientifiques
  • Articles journalistiques
  • Colloques et conférences
  • Dialecte libanais
  • Médias
  • Poèmes
  • Musique
  • Recensions
  • Interviews
  • Quaetiones disputatae
  • In Memoriam
  • Liens utiles
  • Contact

Copyright 2007-2011 www.antoinefleyfel.com